الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
137
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
بجميع أنواع الجود ، من بذل العلم والمال ، وبذل نفسه للّه في إظهار دينه وهداية عباده وإيصال النفع إليهم بكل طريق ، من إطعام جائعهم ووعظ جاهلهم ، وقضاء حوائجهم ، وتحمل أثقالهم ، ولقد أحسن ابن جابر حيث قال : يروى حديث الندى والبشر عن يده * ووجهه بين منهل ومنسجم من وجه أحمد لي بدر ومن يده * بحر ومن فمه در لمنتظم يمم نبيّا تبارى الريح أنمله * والمزن من كل هام الودق مرتكم لو عامت الفلك فيما فاض من يده * لم تلق أعظم بحر منه إن تعم تحيط كفاه بالبحر المحيط فلذ * به ودع كل طامى الموج ملتطم لو لم تحط كفه بالبحر ما شملت * كل الأنام وروت قلب كل ظمى فسبحان من أطلع أنوار الجمال من أفق جبينه ، وأنشأ أمطار السحاب من غمائم يمينه . روى البخاري من حديث جابر : ( ما سئل رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - عن شيء قط فقال : لا ) « 1 » وكذا عند مسلم ، أي ما طلب منه شيء من أمر الدنيا فمنعه : قال الفرزدق : ما قال لا قط إلا في تشهده * لولا التشهد كانت لاؤه نعم لكن قال شيخ مشايخنا الحافظ أبو الفضل ابن حجر : ليس المراد أنه يعطى ما يطلب منه جزما ، بل المراد : أنه لا ينطق بالرد ، بل إن كان عنده أعطاه إن كان الإعطاء سائغا وإلا سكت . قال : وقد ورد بيان ذلك في حديث مرسل لابن الحنيفة عند ابن سعد ولفظه : إذا سئل فأراد أن يفعل قال : نعم ، وإن لم يرد أن يفعل سكت . وهو قريب من حديث أبي هريرة ؛ ما عاب طعاما قط ، إن اشتهاه أكله وإلا تركه . قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام معناه : لم يقل : لا ، منعا للعطاء ، ولا يلزم من ذلك أن لا يقولها اعتذارا كما في قوله تعالى : قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ « 2 » ، ولا يخفى الفرق بين
--> ( 1 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 6034 ) في الأدب ، باب : حسن الخلق والسخاء ، ومسلم ( 2311 ) في الفضائل ، باب : ما سئل رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - شيئا قط فقال : لا . ( 2 ) سورة التوبة : 92 .